مجتمع الزبالين - لمحة تاريخية

جامعو القمامة هم أحفاد مزارعي الكفاف الذين هاجروا من صعيد مصر إلى القاهرة في الأربعينات. وتوالت حشود مزارعي الكفاف تتوافد على القاهرة سعيا وراء فرص الرزق وهربا من سوء أداء المحاصيل وشدة الفقر واستقروا في مساكن مؤقتة أحاطت بالعاصمة. وجلب هؤلاء الوافدون نشاطهم التقليدي وهو تربية الخنازير والماعز والدواجن وغيرها من الحيوانات، كذلك اتجهوا إلى البحث الدءوب عن أنشطة أخرى.

وفي النهاية، امتزج مجتمع الزبالين الوافدين من الصعيد مع "أهل الواحي" أي سكان الواحات في الصحراء الغربية. وقد جاء "أهل الواحي" إلى القاهرة في بدايات القرن العشرين حيث وجدوا لهم عملا مناسبا يتمثل في ترتيب وجمع المخلفات المنزلية من أنحاء المدينة. وقد تفاهم الزبالون مع أهل الواحي وتعاونوا في جمع وفرز القمامة وهي عملية قام فيها "أهل الواحي" بدور الوسطاء بين الزبالين والسكان.

ومن خلال هذا الاتفاق، استطاع الزبالون كسب قوتهم عن طريق فرز القمامة المنزلية واختيار وبيع الأشياء القيمة، في حين صارت المخلفات الحيوية مصدر متميز لتغذية الحيوانات التي يقومون بتربيتها. واستمر هذا الوضع على ما يرام حيث توالت موجات المهاجرين من صعيد مصر للمعيشة والعمل في قرى القمامة الجديدة التي نشأت في القاهرة.

ويبدأ يوم الزبال قبل بزوغ الفجر، فينطلق مبكرا من بيته شاقا طريقه إلى العاصمة لجمع القمامة. في الماضي، كان يتم إنجاز هذه المهمة بواسطة عربات تجرها الحمير ولكن في الثمانينات، أصرت الحكومة على الارتقاء بوضع الزبالين ليستخدموا شاحنات في النقل. يقوم الزبال بجمع القمامة من كل شقة في طريقه ثم ينقلها إلى منزله حيث يتم فرزها وتصنيفها في مجموعات مختلفة (بلاستيك وزجاج ومعدن .. إلخ) ثم يتم بيعها فيما بعد لأسر أخرى أو للشركات التي تقوم بإعادة تدويرها. و عادة ما تتم عملية الفرز والتصنيف في المنزل بواسطة النساء والفتيات وهي ممارسة كانت تؤدي إلى أمراض عديدة مثل التيتانوس والكبد الوبائي إضافة إلى ارتفاع معدلات وفيات المواليد.

وقد ظل الزبالون ينتقلون في أرجاء المدينة بمستوطناتهم المتواضعة المؤقته هرباً من السلطات المحلية. وفي النهاية، اختار مجموعة من الزبالين الاستقرار أسفل منحدرات محاجر المقطم في الطرف الشرقي للمدينة. وقد نما هذا التجمع السكاني من نحو 8000 نسمة في بداية الثمانينات ليصبح أكبر مجتمع لجامعي القمامة في القاهرة حيث يضم ما يقرب من 50000 من الزبالين وأسرهم. واليوم توجد أربع مستوطنات أخرى للزبالين متناثرة في أرجاء القاهرة الكبرى منها مستوطنة طره الأصغر حجما.